محمد خليل المرادي
224
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
المذكورة عزل وولي مكانه السيد فتح اللّه الفلاقنسي الآتي ذكره . ومكث بعد العزل أربع سنين عليلا في سن الشيخوخة ، وتملك دار الوزير نصوح باشا الكائنة بالقرب من السراي ، وحصل له في أول أمره بدمشق الرفعة والشأن والإقبال والاحترام الوفير ، ثم غدر به الزمان ورماه في أرض الهوان . واستقام منزويا في داره ، وتراكمت عليه الخطوب ، واغتدى من الهم ومصائب الدهر ملآن الذّنوب . وحاصل القول إنه من أفراد دهره وعصره في المعارف والإنشاء ، حتى إن الأروام ورؤساء الدولة كانوا يتنافسون في تحريراته التركية وإنشاءاته الفارسية ، وهي كمكاتبات الخوارزمي وابن العميد في اللغة العربية ، لما فيها من الاستعارات واللطائف ، مع أنه طرأ عليه اللسان واللغة فسبحان الواهب . وكان محبا للعالم محبوبا عندهم ، كريم الطبع لطيف المحادثة ، صاحب نوادر ونكت ، حسن المذاكرة والمطارحة . يعرف علم الموسيقى حق المعرفة ، مع ما فيه من المعارف ، يراجع في القوانين العثمانية ، محترما عند الجميع . ولما كان دفتريا بدمشق ، رفع القلمية « 1 » التي كانت معيشة لكل من صار دفتريا ، وهو باختياره ذهب للمحكمة ومنع نفسه بدعوى أصحاب المالكانات وأرباب الميري رضاء واختيارا . واستقام هذا الأمر إلى أن صار دفتريا بدمشق فيض اللّه الرومي ، أحد خواجكان « 2 » الدولة ، في عهدنا الأخير ، في سنة تسعين ومائة وألف ، فأجراها بأمر سلطاني مع تغافل بعض الرؤساء عن ذلك ، وجرت وعادت . ومن إنشائه العربي ما كتبه إلى الوزير سليمان باشا ابن العظم ، لما كان حاكما بصيدا ، يعتذر إليه ويستسمحه لأمر صدر ويرتجيه بمرام . وهو قوله : ممن دهش وحار . وفقد الصبر والجلد والقرار . عندما تمادت عليه الهموم والأكدار . التي هي أشدّ من حرارة النار . حتى صار لا يميز الباغم والصادح . ولا يبين المشكل من الحال والواضح ، جريح الفؤاد . مهجور الرقاد . محروم المرام والمراد . وكل ذلك في نموّ وازدياد ، إلى الحضرة التي يجب لها التضرع والخضوع . ويستحب أن تنشر على بساط رياستها مياه الدموع . من كل قلب موجوع . وكبد مصدوع . من لها من الفتوة والمكارم النهاية ، ومن مكارم الأخلاق والمحامد أقصى الغاية . آيات شكرها تتلى بألسنة الأقلام ، في محاريب الطروس على رؤوس الليالي والأيام . أعني بها السدة السنية السليمانية ، والحضرة البهية الأريحية . فهي
--> ( 1 ) نوع من الضرائب الجائرة يتقاضاها مدير المال من الناس . ( 2 ) رؤساء الكتاب .